سيد محمد طنطاوي
208
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقول الآخر : فتى كملت أخلاقه غير أنه جواد ، فما يبقى من المال باقيا ومن الثاني هذه الآية وما يشبهها . أي : ما ينبغي لهم أن ينقموا شيئا إلا هذا ، وهذا لا يوجب لهم أن ينقموا شيئا إذا فليس هناك شيء ينقمونه ، وما دام الأمر كذلك ، فينبغي لهم أن يؤمنوا ولا يكفروا . وفيه أيضا تقريع لهم حيث قابلوا الإحسان بسوء الصنيع » « 1 » . ثم تابع - سبحانه - التهكم بهم ، وتعجب الناس من أفن رأيهم ، مع تذكيرهم بسوء مصيرهم فقال : - * ( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّه ) * ؟ والمشار إليه بقوله : * ( ذلِكَ ) * يعود إلى ما نقمه اليهود على المؤمنين من إيمانهم باللَّه وبالكتب السماوية وقيل يعود إلى الكثرة الفاسقة من أهل الكتاب المعبر عنها بقوله : وأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ . وتوحيد اسم الإشارة لكونه يشار به إلى الواحد وغيره . أو لتأويله بالمذكور ونحوه . والخطاب لأهل الكتاب المتقدم ذكرهم وقيل للكفار مطلقا ، وقيل للمؤمنين . والمثوبة : مصدر ميمى بمعنى الثواب الثابت على العمل ، وأكثر استعمالها في الخير . وقد استعملت هنا بمعنى العقوبة على طريقة التهكم بهم كما في قوله - تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ وهي منصوبة على أنها تمييز لقوله * ( بِشَرٍّ ) * . وقوله : * ( مَنْ لَعَنَه اللَّه ) * خبر لمبتدأ محذوف أي : هو من لعنه اللَّه : والمراد اليهود لأن الصفات التي ذكرت في الآية لا تنطبق إلا عليهم . والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين عابوا على المؤمنين إيمانهم باللَّه وبما أنزله من كتب سماوية والذين قالوا لكم : ما نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ، ولا دينا شرا من دينكم قل لهم على سبيل التبكيت والتنبيه على ضلالهم : هل أخبركم بشر من أهل ذلك الدين عقوبة عند اللَّه يوم القيامة ؟ هو من * ( لَعَنَه اللَّه ) * أي أبعده من رحمته * ( وغَضِبَ عَلَيْه ) * بأن منع عنه رضاه * ( وجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ والْخَنازِيرَ ) * بأن مسخ بعضهم قردة وبعضهم خنازير وجعل منهم من عبد الطاغوت أي : من عبد كل معبود باطل من دون اللَّه كالأصنام والأوثان وغير ذلك من المعبودات الباطلة التي اتبعوها بسبب طغيانهم وفساد نفوسهم . فإن قيل : إن قوله - * ( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً ) * يفيد أن ما عابه اليهود على المؤمنين من إيمانهم باللَّه فيه شر . إلا أن ما عليه اليهود أشد شرا ، مع أن إيمان المؤمنين لا شر فيه البتة بل هو عين الخير فكيف ذلك ؟ .
--> ( 1 ) تفسير القاسمي ج 6 ص 251 وما بعدها بتصرف يسير .